محمد هادي معرفة
15
التفسير الأثري الجامع
تركه من جبّار قصمه اللّه ، ومن ابتغى الهدى في غيره أضلّه اللّه . فهو حبل اللّه المتين ، وهو الذكر الحكيم ، وهو الصراط المستقيم ، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء ، ولا تلتبس به الألسنة ، ولا يشبع منه العلماء ، ولا يخلق عن كثرة الردّ . ولا تنقضي عجائبه ، وهو الذي لم تنته الجنّ إذ سمعته أن قالوا : إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً « 1 » . وهو الذي من قال به صدق ، ومن حكم به عدل ، ومن عمل به أجر ، ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم . خذها إليك يا أعور ! » « 2 » قوله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « لا تزيغ به الأهواء ولا تلتبس به الألسن » . وفي رواية العيّاشيّ : « لا تزيغه الأهوية ولا تلبسه الألسنة » إشارة إلى صيانته من التحريف والتصحيف . لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ « 3 » . إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ « 4 » . قوله : « لا يشبع منه العلماء » أي يزيدهم يوما فيوما علما بعد علم ، حيث تتوارد عجائبه ، ويأتي كلّ وقت بجديد ، كلّما أمعن النظر فيه والتّدبّر في مطاويه . [ م / 6 ] قال الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام : « وما جالس هذا القرآن أحد إلّا قام بزيادة أو نقصان : زيادة في هدى أو نقصان من عمى » « 5 » . قوله : « ولا يخلق عن كثرة الرّدّ » ، وفي كلام الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام : « ولا تخلقه كثرة الرّدّ » « 6 » ؛ أي « لا تحصى عجائبه ولا تبلى غرائبه » . [ م / 7 ] وفي حديث آخر : « لا يخلق على طول الردّ ، ولا تنقضي عبره ولا تفنى عجائبه » « 7 » . أي كلّما رجعوا إليه وجدوا فيه جديدا ، فهو غضّ طريّ عبر تصرّم الأيّام . [ م / 8 ] قال الإمام الرضا عليه السّلام : « سأل رجل أبا عبد اللّه الصادق عليه السّلام : ما بال القرآن لا يزداد على النشر والدرس إلّا غضاضة ؟ ! فقال : إنّ اللّه - تبارك وتعالى - لم يجعله لزمان دون زمان ، ولناس
--> ( 1 ) الجنّ 72 : 1 . ( 2 ) راجع : الترمذي 4 : 245 - 246 / 3070 ، باب 14 ( ما جاء في فضل القرآن ) ؛ الدّارمي 2 : 435 ، ( كتاب فضائل القرآن ) ، واللفظ له وهكذا أخرجه أبو النضر محمّد بن مسعود العيّاشي من طريق الحارث عن الإمام أمير المؤمنين باختلاف يسير . قال : سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم يقول : أتاني جبرئيل فقال : يا محمّد ، ستكون في أمّتك فتنة ! قلت : فما المخرج منها ؟ وساق الحديث . . . وفي آخره : هو الكتاب العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد . ( العيّاشي 1 : 14 - 15 / 2 ) وفيه : وهو الذي لا تزيغه الأهوية ولا تلبسه الألسنة . ولعلّه الأصحّ . ( 3 ) فصّلت 41 : 42 . ( 4 ) الحجر 15 : 9 . ( 5 ) نهج البلاغة 2 : 91 ، الخطبة 176 . ( 6 ) المصدر : 49 ، الخطبة 156 . سيأتي كلامه عليه السّلام فيه . ( 7 ) العيّاشي 1 : 17 / 11 .